الحلبي

245

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

والشاء ، ثم انحدر رضي اللّه تعالى عنه إلى المدينة فخمس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما جاء به وعدل الجزور بعشرة من الغنم ، وكان النعم مائة وخمسين بعيرا ، والغنم ثلاثة آلاف شاة ، وأخذت تلك السرية ثمامة بن أثال الحنفي من بني حنيفة أي سيد أهل اليمامة وهم لا يعرفونه ، وجيء به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لهم : أتدرون من أخذتم ، هذا ثمامة بن أثال الحنفي ، فأحسنوا إساره أي قيده فربط بسارية من سواري المسجد . قال : وقيل إن هذه السرية لم تأخذه بل دخل المدينة وهو يريد مكة للعمرة فتحير في المدينة ، وقد كان جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رسولا من عند مسيلمة وأراد اغتياله صلى اللّه عليه وسلم ، فدعا ربه أن يمكنه منه ، فأخذ وجيء به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فربط بسارية من سواري المسجد ، فدخل صلى اللّه عليه وسلم على أهله فقال اجمعوا ما كان عندكم من طعام فابعثوا به إليه ، وأمر له صلى اللّه عليه وسلم بناقة يأتيه لبنها مساء وصباحا ، وكان ذلك لا يقع عند ثمامة موقعا من كفايته : أي وجاء إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : ما لك يا ثمام : هل أمكن اللّه منك ؟ فقال : قد كان ذلك يا محمد . وصار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأتيه فيقول : ما عندك يا ثمامة ، فيقول : يا محمد عندي خير ، إن تقتل تقتل ذا كرم . وفي لفظ : ذا دم ، وإن تعف تعف عن شاكر ، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت ففعل ذلك معه ، ثلاثة أيام ، قال أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه : فجعلنا أيها المساكين أي أصحاب الصفة نقول : نبينا صلى اللّه عليه وسلم ما يصنع بدم ثمامة ، واللّه لأكله جزور سمينة من فدائه أحب إلينا من دم ثمامة . وفي الاستيعاب أنه صلى اللّه عليه وسلم انصرف عن ثمامة وهو يقول : اللهم أكلة لحم من جزور أحب إليّ من دم ثمامة ، ثم أمر به فأطلق ، ثم إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في اليوم الثالث قال : أطلقوا ثمامة فقد عفوت عنك يا ثمامة ، فأطلق ، فانطلق إلى ماء جار قريب من المسجد فاغتسل وطهر ثيابه ، ثم دخل المسجد ، فقال : أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . أي وهذا يخالف ما ذكره فقهاؤنا من الاستدلال بقصة ثمامة على أنه يستحب لمن أسلم أن يغتسل لإسلامه ، ثم رأيت بعض متأخري أصحابنا أجاب بأنه أسلم أولا ، ثم لما اغتسل أظهر إسلامه . وفي الاستيعاب : فأسلم ، فأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يغتسل كما في رواية أخرى أنه قال : يا محمد واللّه على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليّ ، واللّه ما كان على الأرض من دين أبغض إليّ من دينك ، فقد أصبح دينك أحب الدين كله إليّ ، واللّه ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك ، فقد أصبح بلدك أحب البلاد إليّ ، ثم شهد شهادة الحق ، فلما أمسى جيء له بما كان يأتيه من الطعام ، فلم ينل منه إلا قليلا . ولم يصب من حلاب اللقحة إلا يسيرا ،